السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

38

مختصر الميزان في تفسير القرآن

فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( الرعد / 17 ) . فبين : ان القلوب والافهام في تلقي المعارف والكمال مختلفة ، مع كون الجميع متكئة منتهية إلى رزق سماوي واحد ، وسيجيء تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد ، وبالجملة فهذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم . وإذا تأملت ما تقدم من نعوت الصراط المستقيم تحصل لك ان الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل إلى اللّه والطرق الهادية اليه تعالى ، بمعنى ان السبيل إلى اللّه إنما يكون سبيلا له موصلا إليه بمقدار يتضمنه من الصراط المستقيم حقيقة ، مع كون الصراط المستقيم هاديا موصلا إليه مطلقا ومن غير شرط وقيد ، ولذلك سماه اللّه تعالى صراطا مستقيما ، فان الصراط هو الواضح من الطريق ، مأخوذ من سرطت سرطا إذا بلعت بلعا ، كأنه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه ولا يدفعهم عن بطنه ، والمستقيم هو الذي يريد ان يقوم على ساق فيتسلط على نفسه وما لنفسه كالقائم الذي هو مسلط على أمره ، ويرجع المعنى إلى أنه الذي لا يتغير أمره ولا يختلف شأنه فالصراط المستقيم ما لا يتخلف حكمه في هدايته وايصاله سالكيه إلى غايته ومقصدهم قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( النساء / 174 ) . اي لا يتخلف امر هذه الهداية ، بل هي على حالها دائما ، وقال تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ( الأنعام / 126 ) . أي هذه طريقته التي لا يختلف ولا يتخلف ، وقال تعالى : قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( الحجر / 42 ) . أي هذه سنّتي وطريقتي دائما من غير